أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
648
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أن يكون مفعولا متعلقا بيعد أي : يعدكم من تلقاء نفسه . و « فضلا » صفته محذوفة أي : وفضلا منه ، وهذا على الوجه الأول ، وأمّا الثاني فلا حذف فيه . قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ : الجمهور على « يؤتي » « ومن يؤت » بالياء فيهما ، وقرأ الربيع « 1 » بن خيثم بالتاء على الخطاب فيهما . وهو خطاب للباري على الالتفات . وقرأ الجمهور : « ومن يؤت » مبنيا للمفعول ، والقائم مقام الفاعل ضمير « من » الشرطية ، وهو المفعول الأول ، و « الحكمة » مفعول ثان . وقرأ يعقوب : « يؤت » مبنيا للفاعل ، والفاعل ضمير اللّه تعالى ، و « من » مفعول مقدم ، و « الحكمة » مفعول ثان كقولك ؛ « أيّا يعط زيد درهما أعطه درهما » . وقال الزمخشري : بمعنى « ومن يؤته اللّه » . قال الشيخ « 2 » : « إن أراد تفسير المعنى فهو صحيح ، وإن أراد الإعراب فليس كذلك ، إذ ليس ثمّ ضمير نصب محذوف ، بل مفعول « يؤت » من الشرطية المتقدمة . قلت : ويؤيّد تقدير الزمخشري قراءة الأعمش : « ومن يؤته الحكمة » بإثبات هاء الضمير ، و « من » في قراءته مبتدأ لاشتغال الفعل بمعموله ، وعند من يجوّز الاشتغال في أسماء الشرط والاستفهام يجوّز في « من » النصب بإضمار فعل ، ويقدّره متأخرا ، والرفع على الابتداء ، وقد تقدّم تحقيق هذه في غضون هذا الإعراب . وقوله : أُوتِيَ جواب الشرط ، والماضي المقترن بقد الواقع جوابا للشرط تارة يكون ماضي اللفظ مستقبل المعنى كهذه الآية ، فهو الجواب حقيقة ، وتارة يكون ماضي اللفظ والمعنى نحو : وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ « 3 » فهذا ليس جوابا ، بل الجواب محذوف أي : فتسلّ فقد كذّبت رسل ، وسيأتي له مزيد بيان . والتنكير في « خيرا » قال الزمخشري : « يفيد التعظيم كأنه قال : فقد أوتي أيّ خير كثير » . قال الشيخ « 4 » : « وتقديره هكذا يؤدي إلى حذف الموصوف ب « أي » وإقامة الصفة مقامه ، فإنّ التقدير : فقد أوتي خيرا أيّ خير كثير ، وإلى حذف « أيّ » الواقعة صفة ، وإقامة المضاف إليها مقامها ، وإلى وصف ما يضاف إليه « أي » الواقعة صفة نحو : مررت برجل أيّ رجل كريم ، وكلّ هذا يحتاج إثباته إلى دليل ، والمحفوظ عن العرب أنّ « أيا » الواقعة صفة تضاف إلى ما يماثل الموصوف نحو : « دعوت امرأ أيّ امرئ ، فأجابني » وقد يحذف الموصوف بأيّ كقوله : 1080 - إذا حارب الحجّاج أيّ منافق * . . . « 5 »
--> ( 1 ) الربيع بن خيثم التابعي الثقة حمل عن ابن مسعود وتوفي قبل سنة 90 ه ، غاية النهاية ( 1 / 283 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 320 ) . ( 3 ) سورة فاطر ، آية ( 4 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 2 / 321 ) . ( 5 ) صدر بيت للفرزدق انظر ديوانه ( 1 / 417 ) ، وعجزه : . . . * علاه بسيف كلّما هزّ يقطع وانظر الهمع ( 1 / 93 ) ، الدرر ( 1 / 71 ) ، تعليق الفرائض ( 1 / 624 ) ، البحر ( 2 / 321 ) . والشاهد فيه قوله : ( أيّ ) حيث وقعت صفة لنكرة محذوفة .